خليل الصفدي

379

أعيان العصر وأعوان النصر

أستاذه ولا مكانة ، ومات وهو في الطباق من جملة آحاد الجمدارية . وقد كنت يوما عند القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص ، وقد أنعم عليه السلطان بعشر طاقات أديم طائفي ، فجاء إلى النشو يطلبها ، وما احتفل به ، وتردد مرات حتى أخذها ، ثم إنه بقي بعد ذلك خامل الذكر إلى أيام المظفر حاجي ، فخرج مع الأمير فخر الدين أياز السلحدار لما جاء نائبا إلى حلب ، وهو معه مسفر حتى يقرّه في النيابة وعاد ، ثم إنه جعل بعد ذلك يتقدم رتبة بعد رتبة ، إلى أن ورد مع السلطان الملك الصالح صالح إلى دمشق في واقعة بيبغاروس ، وتوجه الأمير سيف الدين شيخو والأمير سيف الدين طاز إلى حلب خلف بيبغاروس ، وبقي هو عند السلطان في دمشق يدبر أمره ، إلى أن عاد السلطان إلى مصر ، ولما وصلوا إليها عمل على الوزير علم الدين بن زنبور « 1 » ، وقام في أمره قياما عظيما ، وبالغ في أمره ، إلى أن أمسكه وصادره ، وأخذت منه أموال عظيمة ، وقوى نفسه في أمره ، وأعاره الأميران شيخو وطاز سكتة في أمره ؛ لأنه توجّع ، وصمم عليهما ومنها عظم ، ولم يزل إلى أن أعيد الملك الناصر حسن إلى الملك ، وأخرج الأمير سيف الدين طاز إلى حلب ، وبقي هو والأمير شيخو . ولما جرح شيخو تلك الجراحة ومات منها ، انفرد الأمير صرغتمش بتدبير الملك ، وعظم أمره ، وزاد مكانة ، وعزل القضاة بمصر والشام ، وغيّر النواب الكبار ، وخضع السلطان له ، وصبر عليه ، وأرخى به طول الإمهال ، إلى أن أمسكه في التاريخ المذكور ، ومعه حاجب الحجاب الأمير سيف الدين طشتمر القاسمي وملكتمر المحمدي وابن تنكز وطرغاي وأولادآراي ، وجهز إلى ثغر الإسكندرية ، وقضى اللّه أمره فيه دون الجماعة . وعمّر تلك المدرسة ، وكان يتعصب لمذهبه كثيرا ، وبالغ في عمارتها وزخرفها ، وكان يؤثر الفضلاء ويقربهم ، ويسأل عن مسائل في اللغة والفقه ، ويعظّم العجم ويؤثرهم . وكان قد انفرد بالحديث في أمر الأوقاف ، وأمر البريد في مصر والشام ، وضاق الناس منه ، فما كان يركب البريد بمصر أحد إلا بعلمه ، ومنع أحدا من البريدية أن يحمل معه دراهم وذهبا ، أو قماشا على ظهر خيل البريد ، وأمر بأن يعتبروا في قطيا ، وزاد في هذا وأمثاله ، وبالغ في أمر الأوقاف ، وعمّرت الأوقاف في أيامه . ووجدت بخطه في حائط المدرسة السلطانية بحلب مكتوبا وكتب صرغتمش الناصري ، فلما رأيت ذلك عجبت من هذا الاتفاق ، فكأنه كاشف نفسه بما وقع له ، واستردت الدنيا ما وهبته ، وأخذ السلطان من أمواله وحواصله شيئا يعجز الوصف عنه .

--> ( 1 ) علم الدين بن زنبور هو : عبد اللّه بن أحمد ، ستأتي ترجمته .